محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
269
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وكتب بعضهم أطال اللّه في دوام العز والكرامة بقاءك ، وأسبغ النعمة مدتك ، وأحاط الدين والمروءة بحفظه دولتك ، وجعل إلى خير عواقب الأمور عاقبة أمرك ، وعلى الرشد والتوفيق واقع قولك وفعلك ، ولا أخلى من السلطان مكانك ، ومن الرفعة منزلتك . وكتب أيضا وأنا أسأل اللّه الذي يعلم السر وأخفى ، راغبا إليه بسريرة يعلم صحتها ، ونية يشهد على صدقها ، أن يشفع إحسانه إلي ، وجميل بلائه لدي ، بطول بقائك ، إمتاعي بما وهب لي من ربك على الاستحقاق دون الهوى ، وتمام شروط الود دون التجاوز والإغضاء ، وكتب أيضا أراك اللّه في وليك ما يسرك به ، وفي عدوك ما يعطفك عليه . قال أبو جعفر ومن المتقدمين في البلاغة محمد بن مهران الكاتب ولقد كان علي بن سليمان يقول : إن رسائله تطربني كما يطربني الغناء ، فمن مستحسن فصوله ورسائله فصل له يعزيه : ومن صدق نفسه هانت عليه المصائب ، وعلم أن الباقي تبع للماضي ، حتى يرث اللّه عز وجل الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، وله لي أبي نجدة الشاعر : أما الشعر فلسنا نساجلك فيه ، ولا نركب مضمارك فيما قل أو كثر منه ، إلى أن قال : لأنا نرى الاعتراف للمبرز فضيلة ، وغموص حقه نقيصة ، وله أيضا قد انقضت أيام أهل الأدب وأفلت نجومهم ، حتى صاروا غرباء في أوطانهم ، منقطعي الوصل والوسائل ، ترتد عنهم الأبصار ، وتنبو عنهم القلوب ، وإذا شاموا مخيلة مثلك ممن يحسن تألفهم ورفدهم ، ويرعى وسائلهم ، ثلجت صدورهم ، وانبسطت آمالهم ، وأمسك ذلك بحشاشات قد نهكها سوء بلاء الزمان ، فزادك اللّه من فضله وزاد بك . وله أيضا وأنا منتظر من نصر اللّه عز وجل على هذا الباغي وانتقامه من الظالم ما ليس ببعيد وإن كان قوم مستدرجين بالإمهال فإن وعد اللّه عز وجل ناجز ، وهو من وراء كل ظالم . وكتب بعض من ينتسب إلى إيجاز القول وحسن النظم والبلاغة في السجع إلى بعضهم : كتابي إليك ليس باستبطاء ، وإمساكي عنك ليس باستغناء ، لكنه تذكرة لك ، وإمساكي ثقة بك ، وكتب هذا الرجل إلى المأمون إنك ممن إذا أسس بنى ، وإذا غرس سقى ، ليستتم بناء أسه ، ويجتني ثمار غرسه ، وأشك في بري قد وهي وقارب الدروس ، وغرسك في حفظي قد عطش وشارف اليبوس فتدارك ما أسست ، واسق ما غرست ، فأمر له بمائة ألف درهم . قال يحيى بن خالد رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله ، وأصدق شاهدا على غيبة لك ومعناه فيك . من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة . كتب رجل إلى أخل له قد كنت أحب أن لا أفتتح مكاتبتك بذكر حاجة إلا أن المودة إذا خلصت سقطت الحشمة ، واستعملت الدالة .